مقالات وتحليلات

الدفع بعدم دستورية القوانين في النظامين المغربي والمصري: بين التأسيس الدستوري والتفعيل القضائي

الدفع بعدم دستورية القوانين في النظامين المغربي والمصري: بين التأسيس الدستوري والتفعيل القضائي

عبد الفتاح الوردميشيدكتور في الحقوق — القانون العام والعلوم السياسية

خلاصة الدراسة: أقر دستور 2011 في فصله 133 آلية الدفع بعدم دستورية القوانين، غير أن هذه الآلية ظلت معطلة عمليا منذ خمسة عشر عاما لغياب القانون التنظيمي المنظم لها. وفي المقابل، راكمت التجربة المصرية اجتهادا قضائيا مستمرا جعل من المحكمة الدستورية العليا فاعلا رئيسيا في ضبط دستورية التشريعات. تقارن هذه الورقة بين النموذجين وتقف على أسباب التعثر المغربي.

مدخل: من أين جاءت الفكرة

قررت المحكمة الاتحادية العليا الأمريكية في سابقتها الشهيرة أن تتصدى للرقابة على دستورية القوانين في غياب نص دستوري يمنحها هذا الاختصاص، بتعليل بسيط في ظاهره عميق في أثره، صاغه رئيسها مارشال حين قال إن القضاء حتى يفصل في خصومة معروضة أمامه لا بد أولا أن يحدد القانون الذي يطبق عليها.

من هذا الممر التاريخي انبثقت فكرة الرقابة على دستورية القوانين، بوصفها ضمانة لمبدأ سمو الدستور الذي يتبوأ قمة هرم التشريع ويستلزم انسجام القوانين الأدنى معه. وتتخذ هذه الرقابة صورتين: رقابة سابقة تمارس قبل دخول النص حيز التنفيذ، ورقابة لاحقة تمارس بعده، ومن أهم آلياتها الدفع بعدم الدستورية.

والدفع بعدم الدستورية وسيلة إجرائية تسمح لأي طرف في دعوى معروضة أمام القضاء بالطعن في دستورية نص قانوني يراد تطبيقه عليه، بدعوى مخالفته لحقوق أو حريات يضمنها الدستور. وغايته تمكين المواطن من الدفاع المباشر عن حقوقه الدستورية أمام القضاء العادي، وتطهير المنظومة القانونية من النصوص المخالفة للدستور.

ولا يكفي لضمان الحقوق والحريات إدراجها في أعلى هرم القواعد القانونية، بل لا بد من تعيين حارس أمين يسهر على تكريس المشروعية في تصرفات جميع السلط. وهو ما نبه إليه الفقيه النمساوي هانس كلسن حين أوصى بترتيب جزاء على الإخلال بمبدأ سمو الدستور، تفعيلا للمبدأ القائل بأن السلطة تحد السلطة.

السؤال المركزي

إلى أي حد وفق كل من النظامين المغربي والمصري في إرساء وتفعيل آلية الدفع بعدم دستورية القوانين بما يضمن حماية فعالة للحقوق والحريات الدستورية؟

أولا: الفصل 133 — النص الذي لم يجد طريقه إلى التطبيق

يعد الفصل 133 من دستور 2011 محطة مفصلية في مسار الرقابة الدستورية بالمغرب. فقد أرسى آلية الدفع باعتبارها شكلا من أشكال الرقابة اللاحقة التي تمارس في سياق دعوى قضائية جارية، مما أتاح للأفراد إمكانية الطعن في دستورية المقتضيات التي تمس حقوقهم وحرياتهم المكفولة دستوريا. غير أن المشرع الدستوري أطر هذه الآلية بشروط وقيود إجرائية وموضوعية دقيقة.

1 — ارتباط الدفع بمنازعة قضائية جارية

لا يمكن تحريك الدفع بصورة مستقلة أو مباشرة أمام المحكمة الدستورية دون وجود دعوى قائمة. فتطبيق الآلية متوقف على نزاع قضائي فعلي يراد تطبيق القانون فيه، وعلى المحكمة المعروض أمامها النزاع أن توقف البت وتحيل الدفع مباشرة على المحكمة الدستورية. وهذا خلاف النموذج الأمريكي حيث تستطيع المحاكم العادية الامتناع عن تطبيق قانون تبين لها عدم دستوريته.

2 — الاختصاص الحصري للمحكمة الدستورية

أناط دستور 2011 حصريا بالمحكمة الدستورية البت في كل دفع، وحصر دور المحاكم العادية في الإحالة وإرجاء الفصل في النزاع الأصلي. وهذه الرقابة الممركزة إضافة جديدة لم تكن في الدساتير السابقة، تأثر فيها المشرع بالنموذج الفرنسي «مسألة الدستورية الأولية» ضمانا لوحدة الاجتهاد ومنعا لتضارب الأحكام.

3 — شروط إثارة الدفع

حصر الفصل 133 حق إثارة الدفع في أطراف النزاع دون غيرهم، فلا يملك القاضي إثارته من تلقاء نفسه لأنه ليس طرفا في الدعوى — خلافا لما يجري به العمل في مصر. ويشترط أن يكون محل الدفع نصا تشريعيا مزمعا تطبيقه في القضية، وأن يمس حقا أو حرية دستورية. كما اشترط المشرع جدية المصلحة، أي أن يكون لقرار عدم الدستورية أثر عملي في صون الحق، حتى لا تتحول الآلية إلى ممر للدفوع الكيدية أو التأخير غير المبرر.

4 — أثر التصريح بعدم الدستورية

نص الفصل 134 على نسخ كل مقتضى صرحت المحكمة الدستورية بعدم دستوريته، ابتداء من التاريخ الذي تحدده في قرارها. والنسخ هنا يعني إلغاء المقتضى التشريعي المحدد وعدم تطبيقه مستقبلا، دون أثر رجعي على الوقائع السابقة ما لم ينص القرار على ترتيبات خاصة. ويتعين على السلطة التشريعية سد الفراغ الذي يخلفه القرار، باعتبار قرارات المحكمة نهائية وملزمة لجميع الجهات بما فيها المحاكم.

ثانيا: عقدة القانون التنظيمي

ترك الفصل 133 تفاصيل شروط وإجراءات تطبيق الدفع لقانون تنظيمي. ومنذ 2011 لم يستكمل هذا النص مساره: فمشروع القانون التنظيمي رقم 86.15 صرحت المحكمة الدستورية بعدم دستورية عدد من مقتضياته، وبقي الورش معلقا. والنتيجة أن الآلية ظلت قائمة في النص، غائبة في الممارسة.

وهنا يكمن جوهر الإشكال: نحن أمام حق دستوري معترف به للمواطن، لكنه غير قابل للممارسة لسبب إجرائي محض. فالمتقاضي الذي يواجه نصا تشريعيا يمس حقا من حقوقه الدستورية لا يملك اليوم السبيل الذي رسمه له الدستور نفسه.

ثالثا: النموذج المصري — رقابة تشتغل

في المقابل، تقدم التجربة المصرية نموذجا لآلية مشتغلة. فالمحكمة الدستورية العليا تمارس اختصاصا أصيلا في البت في الدفع بعدم الدستورية، بشرط أن يكون الدفع جديا وأن تتوقف عليه المصلحة في الدعوى الأصلية.

وقد نشأت هذه المحكمة في سياق تاريخي متوتر، في وقت كانت الدولة تدخل فيه صراعات مع القضاة. غير أنها راكمت عبر العقود اجتهادا مستقرا جعلها فاعلا رئيسيا في ضبط دستورية التشريعات، بما في ذلك في مجالات حساسة كالمادة الجبائية وعلاقات الكراء.

والفارق الجوهري بين النموذجين ليس في النص الدستوري — فكلاهما يقر الآلية — بل في استكمال البناء الإجرائي الذي يجعل النص قابلا للتطبيق. مصر استكملته، والمغرب لم يستكمله بعد.

خلاصة

الغاية المشتركة في النظامين واحدة: حماية الحقوق وصيانة مبدأ المشروعية الدستورية. لكن مسار التفعيل اتسم بخصوصيات مختلفة. فالتجربة المغربية لا تزال تعاني تعثرا تنظيميا أدى عمليا إلى تعطيل الآلية منذ التنصيص عليها، بينما عرفت التجربة المصرية تفعيلا قضائيا مستمرا.

ويبقى الدرس الأساسي أن المعيار الحقيقي لقياس فعالية أي نظام قانوني لا يكمن في ما يقره دستوره من حقوق، بل في المكانة التي يتبوؤها القاضي الدستوري داخل المنظومة، وفي مدى توفر الأدوات الإجرائية التي تجعل تلك الحقوق قابلة للممارسة الفعلية. وما دام القانون التنظيمي غائبا، تبقى مسألة حماية الحقوق الدستورية في المغرب في دائرة النص دون التفعيل.

هذا المقال نسخة محررة للنشر الإلكتروني من ورقة بحثية موسعة بعنوان: «الدفع بعدم دستورية القوانين في النظامين المغربي والمصري: بين التأسيس الدستوري والتفعيل القضائي»، تتضمن الدراسة الكاملة مئة وثمانية عشر هامشا وقائمة مراجع بالعربية والفرنسية والإنجليزية.

ختم LexMaghreb
وثيقة منشورة عبر بوابة LexMaghrebهذا المحتوى منشور لأغراض علمية وتوثيقية. الحقوق الفكرية محفوظة لأصحابها، ويمنع إعادة النشر أو الاستغلال التجاري دون إذن. عند الإحالة يرجى ذكر المصدر: lexmaghreb.com
شارك هذا المحتوى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

1زائر الآن
22زوار اليوم
538زوار الشهر
2٬630إجمالي الزيارات
Scroll to Top