مقالات وتحليلات

الضريبة في الدساتير المغربية: من مشروع دستور 1908 إلى الفصل 71 من دستور 2011

الضريبة في الدساتير المغربية: من مشروع دستور 1908 إلى الفصل 71 من دستور 2011

عبد الفتاح الوردميشيدكتور في الحقوق، القانون العام والعلوم السياسية

خلاصة القراءة: لم تدخل الضريبة إلى الوثيقة الدستورية المغربية مع دستور 1962، بل سبقته إليها المذكرات الإصلاحية ومشروع دستور 1908 الذي خصها بأربع مواد كاملة. ثم استقرت الدساتير الخمسة الأولى على صياغة واحدة لم تتغير طيلة أربعة عقود، قبل أن يأتي دستور 2011 بأول تنصيص صريح على «النظام الضريبي» ضمن مجال القانون. تستعيد هذه الورقة أهم ما انتهت إليه دراستنا المنشورة بمجلة فطواكة للدراسات القانونية والاقتصادية.

شرح تفاعلي: قرن من الضريبة في الوثائق الدستورية

تابع المحطات الكبرى للدراسة في عرض تفاعلي: اضغط على زر التشغيل أو تنقل بين المحطات، واضغط على المواد والفصول لقراءة مضمونها.

مدخل: الضريبة عقد قبل أن تكون اقتطاعا

نادرا ما كان الرضى على فرض الضرائب موضع توافق مجتمعي، فالعبارة نفسها تبدو متناقضة لفظا وواقعا، لأن الضريبة تستوعب في بعض الأحيان قدرا من الإكراه. ومع ذلك فإن العقد الاجتماعي الذي يحكم المجتمع هو قبل كل شيء عقد ضريبي، إذ ارتبط تاريخ الضريبة بنشأة ذلك العقد في صورة الدولة.

فرضت الضريبة في أول الأمر لتمويل نفقات الحكام والحملات العسكرية دون قواعد أو ضوابط محددة، فكرست في كثير من الأحيان الطبقية الاجتماعية بإعفاء المقربين والنبلاء، ودفعت الشعوب مرارا إلى التمرد والعصيان عن دفعها. ولم تتبن معظم الدول مفهوم النظام في المسألة الضريبية إلا أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، حين صار القرار الضريبي يتخذ في جو من الديمقراطية والتمثيلية حتى لا تحيد الضريبة عن مسار الشرعية السياسية.

ومن هنا فالسياسة الضريبية ليست إجراءات ومساطر للفرض والتصفية والتحصيل فقط، بل نسق متكامل من الفاعلين والقوانين والقرارات والمخرجات ذات الصبغة الضريبية، تفضي إلى نتيجة موجبة التقييم بمؤشرات علمية.

السؤال المركزي

أي مكانة للقرار الضريبي في التاريخ السياسي والدستوري للمغرب؟

أولا: من جباية يحدد الحاكم قدرها إلى نظام ضريبي

تجمع أغلب الكتابات على تقسيم ثلاثي للحقب الضريبية بالمغرب: ما قبل الحماية، ثم الحماية، ثم ما بعد الاستقلال. في الحقبة الأولى كانت الضرائب مرادفا للشطط في استعمال السلطة، ولم تكن منظمة في إطار قانوني ولا مستقرة في حدود مضبوطة، إذ يحدد الحاكم قيمتها في قدر معين ثم يتضاعف تلقائيا بالقدر الذي يضيفه الجباة لأنفسهم.

1 — إصلاحات الحسن الأول وفشل الترتيب

تبقى السياسة الجبائية للسلطان الحسن الأول أبرز محاولات الإصلاح قبل الحماية. فقد تمكن من فرض جبايات فلاحية على جل الأجانب ومحمييهم من المغاربة، وأقر ذلك دوليا في مقررات مؤتمر مدريد سنة 1880، ثم أصدر سنة 1881 إصلاح «الترتيب» الذي أبان عن تصور جديد للجباية مبني على الوضوح والشفافية.

واضطر المولى عبد العزيز بعده إلى تكريس ضريبة الترتيب، فعارضها ذوو الامتيازات من الشرفاء والمحميين والأجانب وقواد القبائل، وتعزز رفضهم بمساندة علماء اعتبروها غير شرعية. وكانت النتيجة حرمان خزينة الدولة من جزء كبير من مداخيلها، بعدما سقطت الضرائب القديمة والجديدة في آن واحد.

2 — الحماية واستيراد النموذج الفرنسي

بعد معاهدة الجزيرة الخضراء تأثرت الجباية المغربية بالنظام الفرنسي: تنظيم الترتيب سنة 1915، ومراجعة الضريبة الحضرية سنة 1918، وتأسيس الباتنتا سنة 1920، مع الاعتماد على ضرائب غير مباشرة على السكر والكحول والزيوت والتسجيل والتنبر. وبعد سنة 1939 أعطيت الأولوية لضرائب مباشرة ذات مردود مالي، كالاقتطاع من المرتبات والأجور والضريبة الإضافية على الباتنتا. وكان الهدف في مجمله مواجهة الحاجيات المالية لسلطات الحماية لا بناء عدالة ضريبية.

3 — ما بعد الاستقلال: أربعة عقود من الإصلاح المتدرج

جعل المغرب المستقل من الضريبة وسيلة للتضامن الوطني وأداة للسياسة الاقتصادية، فظهرت مدونتا الاستثمار لسنتي 1958 و1961. ثم جاء القانون الإطار رقم 83.3 بإصلاح شامل أفرز الضريبة على القيمة المضافة سنة 1986، والضريبة على الشركات سنة 1987، والضريبة العامة على الدخل سنة 1990. وتوالت بعد ذلك المحطات: المناظرة الوطنية الأولى حول الجبايات سنة 1999، وتجميع النصوص في مدونة موحدة سنة 2007، ومناظرة 2013، والعودة التدريجية إلى تضريب القطاع الفلاحي سنة 2014، ثم المناظرة الثالثة سنة 2019 التي مهدت للقانون الإطار رقم 69.19، ثاني إصلاح ضريبي شمولي تعرفه المملكة.

غير أن قطع هذه الأشواط لا يحجب الملاحظة الأساسية: المحك الحقيقي هو نجاعة وفعالية نظام ما زال يتسم بعدم الانتظام في صناعة القرار الضريبي وتنفيذه وتقييمه.

ثانيا: الضريبة في المذكرات والمشاريع الدستورية

يقول جورج فيديل إن الضرورة هي التي تقود إلى ميلاد الدساتير، إلا أن الحظ هو الذي يمنحها الحياة. وقبل الدساتير كان الفرض الضريبي بالمغرب يرتكز على قاعدة شرعية، مصدرها النص القرآني والسنة واجتهادات الفقهاء، ومن هذا الباب تحديدا دخلت الضريبة إلى الخطاب الإصلاحي مطلع القرن العشرين.

1 — المذكرات الإصلاحية

جعلت مذكرة الحاج علي زنيبر من المساواة مبدأ حاكما، فراهنت على «المساواة في الجبايات والضرائب التي تعم الجميع دون استثناء». ولم يتوان عبد الكريم مراد الطرابلسي في مقترحاته عن المطالبة بالاختصاص الحصري والأصيل لمجلسي الأمة في تحديد الضرائب.

أما مشروع الدستور المنسوب إلى «الجمعية المغربية»، الذي أماط عنه اللثام علال الفاسي، فقد أسند إلى مجلس الأمة «إقرار الأموال التي تطلب من الرعية وكيفية تحصيلها حسب الشريعة الإسلامية»، ومنع العفو عن أحد من أدائها، ودعا إلى إلغاء كل ما يؤخذ من الشعب خلافا لما قررته الشريعة مثل المكوس والهدية والسخرة. وهنا تتجاور فكرتان ستلازمان المسألة الضريبية بعد ذلك: تقييد سلطة الفرض بمؤسسة تمثيلية، وربط شرعية الضريبة بمرجعية عليا تعلو إرادة الحاكم.

2 — مشروع دستور 1908: أربع مواد للجبايات

يمثل مشروع دستور 1908 ولادة الفكر الدستوري المغربي، وقد توزعت مواده الثلاث والتسعون على عشرة أبواب كان أحدها للجبايات. ونصت المادة 19 على أن تكاليف الدولة المالية توضع على كل فرد من أفراد الأمة بحسب ماليته واقتداره، وأعفت المادة 20 الفقراء والعواجز والذين لا عمل لهم يتعيشون منه، وألزمت المادة 21 موظفي المخزن من كبيرهم إلى صغيرهم بما يلزم سائر الناس، ومنعت المادة 22 طرح ضرائب على جهة أو مدينة أو قبيلة دون أخرى.

تكفي هذه المواد الأربع لإثبات أن مبادئ القدرة التكليفية والعمومية والمساواة أمام الضريبة حاضرة في الوعي الدستوري المغربي قبل أكثر من نصف قرن من أول دستور رسمي.

3 — مشروع حزب الإصلاح لسنة 1954

أبقى هذا المشروع المجال الضريبي حصرا على مجلس النواب ومجلس الشيوخ، فكل قانون يحدث ضريبة أو يلغيها أو يخففها أو يرفعها يجب أن يصدر عن مجلس النواب. واشترط أن تكون الضرائب واحدة بالنسبة لجميع أنحاء المملكة، في انتقال واضح من التضريب النوعي إلى التضريب الموحد.

ثالثا: من 1962 إلى 1996، صياغة واحدة لخمسة دساتير

حمل أول دستور للمملكة سنة 1962 في فصليه 17 و18 أساس الواجب الضريبي: على الجميع أن يتحملوا، كل على قدر استطاعته، التكاليف العمومية التي للقانون وحده الصلاحية لإحداثها وتوزيعها، وأن يتحملوا متضامنين التكاليف الناتجة عن الكوارث التي تصيب البلاد. وأسند إلى البرلمان حق الفرض والإعفاء من خلال الترخيص السنوي بقانون المالية.

واللافت أن هذه الصياغة انتقلت كما هي إلى دساتير 1970 و1972 و1992 و1996، وبالترقيم نفسه. فالتكريس الدستوري ظل مضمرا للمساواة الضريبية ومحافظا على السمة البرلمانية لصناعة القرار الضريبي، لكن النص خلا تماما من مصطلح «النظام الضريبي»، وهو غياب يحيل على تشتت القرار الضريبي في تلك المرحلة أكثر مما يحيل على سهو في الصياغة.

رابعا: دستور 2011 والاعتراف بالنظام الضريبي

احتفظ الفصل 39 بالقاعدة الموروثة، وأعاد الفصل 40 بناء واجب التضامن فجعل الجميع يتحمل، بصفة تضامنية وبشكل يتناسب مع الوسائل التي يتوفرون عليها، التكاليف التي تتطلبها تنمية البلد والأعباء الناجمة عن الآفات والكوارث الطبيعية. أما الجديد الحقيقي فجاء به الفصل 71 الذي أدرج ضمن مجال القانون «النظام الضريبي، ووعاء الضرائب، ومقدارها وطرق تحصيلها»، وهي سلطات حصرية للبرلمان تمارس دون وكالة أو حلول.

الوثيقةالمقتضياتالمضمون الضريبي
مشروع دستور 1908المواد 19 إلى 22التكليف بحسب الاقتدار، إعفاء المعوزين، خضوع موظفي المخزن، عمومية الضريبة
مشروع حزب الإصلاح 1954الفصلان 8 و9اختصاص تشريعي حصري، ضرائب موحدة لجميع أنحاء المملكة
دساتير 1962 و1970 و1972 و1992 و1996الفصلان 17 و18تحمل التكاليف العمومية على قدر الاستطاعة، شرعية القانون، التضامن عند الكوارث
دستور 2011الفصول 39 و40 و71القاعدة نفسها، تضامن متناسب مع الوسائل لتمويل التنمية، التنصيص الصريح على النظام الضريبي

خلاصات

أولا، الاعتبار المالي ظل أهم موجه ومتحكم في السياسة الجبائية المغربية في الماضي والحاضر، والذي اختلف هو مشروعية الفرض: من شرعية دينية يحرسها العلماء، إلى شرعية تمثيلية يحرسها البرلمان.

ثانيا، مبدأ المساواة أمام الضريبة أقدم المبادئ الضريبية حضورا في الوثائق المغربية، من مذكرة علي زنيبر إلى المادة 22 من مشروع 1908، وهو الخيط الناظم الذي لم ينقطع حتى دستور 2011.

ثالثا، المادة الجبائية لم تكن شأنا تقنيا في أي مرحلة، فقد مثلت مطلبا شعبيا ثم اجتماعيا ثم اقتصاديا ثم سياسيا، ولم تقتصر المذكرات الإصلاحية ومشاريع الدساتير على ضبط علاقة الحاكم بالمحكومين بمعزل عنها.

رابعا، الاعتراف بـ«النظام الضريبي» لم يتجسد حقيقة إلا بموجب نص 2011، وهو ما يفسر أن يأتي بعده، لا قبله، قانون إطار يروم بناء نظام جبائي منسجم. ويبقى السؤالان اللذان تنتهي إليهما الدراسة مفتوحين: كيف شكلت الضرائب الأنظمة السياسية عبر التاريخ؟ وكيف جعلت الديمقراطية الضريبة أسمنتها؟

الدراسة الكاملة بهوامشها وجدولها التركيبي للفصول الدستورية

📥 تحميل المقال (PDF)

للإحالة: عبد الفتاح الوردميشي، «موقع الضريبية في الوثائق الدستورية بالمغرب: دراسة تأصيلية»، مجلة فطواكة للدراسات القانونية والاقتصادية، العدد السابع (عدد استدراكي)، ص 123-142. صفحة المقال

ختم LexMaghreb
وثيقة منشورة عبر بوابة LexMaghrebهذا المحتوى منشور لأغراض علمية وتوثيقية. الحقوق الفكرية محفوظة لأصحابها، ويمنع إعادة النشر أو الاستغلال التجاري دون إذن. عند الإحالة يرجى ذكر المصدر: lexmaghreb.com
شارك هذا المحتوى
8مرة تحميل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

1زائر الآن
22زوار اليوم
538زوار الشهر
2٬629إجمالي الزيارات
Scroll to Top