من بين أهم التحولات التي جاء بها القانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية إعادة بناء نظام التبليغ، خصوصا عند تعذر العثور على الطرف المراد تبليغه.
فبعد عقود من العمل بمسطرة «القيم»، اختار المشرع التخلي عنها والانتقال إلى منطق جديد يقوم على الاعتماد على العناوين المستخرجة من قواعد البيانات الرسمية، وترتيب آثار قانونية على التبليغ الموجه إليها.
وهذا التحول لا يتعلق بإجراء شكلي بسيط. فالتبليغ هو المدخل الأساسي لممارسة حقوق الدفاع، ومنه تبدأ آجال عديدة، وعلى صحته قد تتوقف سلامة المحاكمة والحكم والطعن والتنفيذ.
ولهذا فإن إصلاح التبليغ يجب أن يحقق معادلة دقيقة: ألا يسمح لشخص بالتهرب من القضاء بمجرد تغيير عنوانه أو الامتناع عن التوصل، وفي الوقت نفسه ألا تصبح السرعة مبررا لإقامة قرينة قانونية بالتوصل في مواجهة من لم يعلم فعليا بالدعوى.
أولا: مسطرة القيم في النظام القديم
في قانون المسطرة المدنية القديم، كان الفصل 39 ينظم حالة الشخص الذي يكون موطنه أو محل إقامته غير معروف، من خلال تعيين قيم من بين أعوان كتابة الضبط، يتولى البحث عن المعني بالأمر بمساعدة النيابة العامة والسلطات الإدارية، مع ما كان يترتب عن ذلك من إجراءات وآجال.
ولم تكن الصعوبة تقف عند مرحلة استدعاء المدعى عليه، بل كانت تمتد إلى تبليغ الأحكام والقرارات، حيث أقام الفصل 441 نظاما خاصا بالنسبة للأحكام المبلغة إلى القيم، بما في ذلك التعليق والإشهار قبل ترتيب بعض الآثار المتعلقة بآجال الطعن.
وقد كان لهذا النظام منطقه في زمن لم تكن فيه قواعد البيانات الإدارية مترابطة أو متاحة بالكيفية التي أصبحت عليها اليوم. غير أن الممارسة أظهرت أيضا أن مسطرة القيم قد تتحول إلى مصدر لإطالة النزاع، وإلى سلسلة من الإجراءات التي تثار حولها بدورها نزاعات شكلية.
ثانيا: المادة 86 وقرينة التوصل القانوني
اختار القانون الجديد طريقا مختلفا: بدل البحث الطويل عن الشخص، يتم الرجوع إلى عنوان رسمي تعتبره الدولة مرجعا قانونيا. وهنا تظهر المادة 86 باعتبارها من أهم مقتضيات الإصلاح.
فإذا تعذر التبليغ وتبين أن المدعى عليه مجهول بالعنوان الوارد في الاستدعاء أو انتقل منه، يتم الرجوع إلى قاعدة معطيات البطاقة الوطنية للتعريف الإلكترونية. والأهم أن المشرع لم يجعل هذا العنوان مجرد عنوان جديد لتجربة التبليغ، بل رتب عليه أثرا أقوى، إذ اعتبر التبليغ الموجه إليه في حكم التوصل القانوني ومنتجا لآثاره.
وتعزز المادة 610 التوجه نفسه بجعل عنوان البطاقة الوطنية مرجعا عند تعذر إجراء التبليغ بالعنوان المدلى به. وهنا تغيرت فلسفة النظام بالكامل. في السابق، كان القضاء يبحث عن الشخص. أما في النظام الجديد، فإن الشخص أصبح مطالبا بأن يجعل عنوانه الرسمي مطابقا لواقعه، وإلا تحمل الآثار التي قد تترتب على عدم تحيينه.
ثالثا: بين التوصل الحقيقي والتوصل القانوني
من حيث النجاعة، لا يمكن إنكار أهمية هذا التحول. فجزء معتبر من مشاكل التبليغ كان ينتج عن أشخاص ينتقلون من عناوينهم، أو يتعذر العثور عليهم، أو يتحول التبليغ في مواجهتهم إلى سلسلة غير منتهية من المحاولات. والرجوع إلى قاعدة رسمية مثل قاعدة البطاقة الوطنية يمكن أن يقلل كثيرا من هذه الإشكالات.
لكن علينا التمييز بين التوصل الحقيقي والتوصل القانوني. فالتوصل الحقيقي يعني أن الشخص علم بالدعوى أو تسلم الوثيقة فعليا. أما التوصل القانوني، فيعني أن القانون يرتب آثار التوصل حتى إن لم يثبت العلم الفعلي، متى احترمت الشروط التي حددها. وهذه القرينة قد تكون ضرورية لمنع التهرب من القضاء، لكنها ليست خالية من المخاطر.
فماذا إذا ظل عنوان البطاقة الوطنية قديما؟ وماذا إذا غير الشخص محل إقامته ولم يحين بياناته؟ وماذا إذا وجه الاستدعاء إلى عنوان رسمي لكنه لم يعد يمثل محل إقامته الفعلي منذ مدة؟ هنا تصبح مسألة تحيين العنوان ذات آثار قضائية مباشرة، لا مجرد إجراء إداري.
ولذلك يفترض نجاح هذا النظام أن يكون تحيين عنوان البطاقة الوطنية سهلا وسريعا، وأن يدرك المواطن أن إبقاء عنوان غير محين قد يرتب آثارا على حقوقه وآجال الطعن وحقه في الدفاع.
ويضاف إلى ذلك إشكال عملي آخر. فالمادة 77 ألزمت بذكر رقم البطاقة الوطنية بالنسبة للمدعي، لكنها لم تجعل رقم بطاقة المدعى عليه من البيانات الإلزامية. وهنا يطرح السؤال: كيف سيتم التعرف بصورة يقينية على الشخص داخل قاعدة البيانات إذا كان الاسم متشابها مع أسماء أخرى ولا يتوفر الملف على معرف فريد يسمح بتمييزه؟
قد تسمح الأنظمة المعلوماتية بتجاوز هذا الإشكال من خلال بيانات إضافية، لكن الأفضل تشريعيا أن تكون آلية التعريف بالشخص واضحة بالقدر نفسه الذي كانت به الآثار القانونية المترتبة على التبليغ واضحة.
رابعا: قصور تنظيم تبليغ الشخص الاعتباري
إذا كان النظام الجديد قد رسم طريقا واضحا نسبيا بالنسبة للشخص الذاتي، فإن الوضع أكثر تعقيدا عندما يكون الطرف شركة أو شخصا اعتباريا.
فالمادة 84 تنظم كيفية تبليغ الأشخاص الاعتباريين، وتعتبر التبليغ صحيحا بتسليم الاستدعاء إلى الممثل القانوني أو من يقوم مقامه في مقر الشخص الاعتباري أو بمكتب الضبط لديه إن وجد. كما تقضي المادة 607 بأن التبليغات والاستدعاءات والإنذارات الموجهة إلى الشركات والجمعيات وسائر الأشخاص الاعتباريين توجه إلى ممثليهم القانونيين بهذه الصفة. ثم تأتي المادة 613 لتحدد موطن الشركة في المحل الذي يوجد به مقرها الاجتماعي المضمن في السجل التجاري.
كل ذلك واضح، لكن الإشكال يبدأ عندما ينتقل المفوض القضائي إلى المقر الاجتماعي المقيد بالسجل التجاري، فيجد أن الشركة مجهولة به، أو أنها غادرته دون أن تحين بياناتها.
ماذا يقع حينئذ؟ بالنسبة للشخص الطبيعي أعطى المشرع جوابا صريحا: نرجع إلى قاعدة البطاقة الوطنية، ويعتبر التبليغ الموجه إلى العنوان المستخرج منها في حكم التوصل. أما بالنسبة للشخص الاعتباري، فلا نجد نصا بالوضوح نفسه ينص على أن التبليغ الموجه إلى آخر مقر اجتماعي مقيد بالسجل التجاري، رغم ثبوت عدم وجود الشركة به، يعتبر منتجا لآثاره القانونية.
وهنا يبرز قصور في صياغة النظام الجديد؛ لقد حدد المشرع العنوان الرسمي للشركة، لكنه لم يرتب بصورة صريحة الأثر القانوني المترتب على تقصير الشركة في تحيين هذا العنوان.
ويلاحظ عمليا أن بعض المحاكم بدأت، عند تعذر تبليغ الشركات، تطلب الإدلاء بشهادة أو مستخرج من السجل التجاري للتحقق من مقرها المسجل. وهذه ممارسة مفهومة من حيث الغاية. غير أن شهادة السجل التجاري تثبت أين يوجد المقر القانوني، لكنها لا تجيب وحدها عن السؤال الأهم: ماذا نفعل إذا أثبتت الشهادة أن مقر الشركة في عنوان معين، وأثبت المفوض القضائي أنها غير موجودة فيه؟
هل يعد مجرد توجيه التبليغ إلى المقر المقيد كافيا؟ هل يبحث عن الممثل القانوني في عنوانه الشخصي؟ هل تعاد المحاولة؟ أم تعتبر الشركة مسؤولة عن عدم تحيين بياناتها؟
النص لا يقدم جوابا حاسما بالوضوح الذي قدمه بالنسبة للشخص الطبيعي. ولا يبدو سليما، من حيث الأصل، معالجة المشكلة تلقائيا بالرجوع إلى عنوان البطاقة الوطنية لمسير الشركة، لأن الخصم في الدعوى هو الشخص الاعتباري، وليس المسير بصفته الشخصية. فالممثل القانوني يتلقى التبليغ نيابة عن الشركة وبصفته ممثلا لها، لا لأنه مدعى عليه شخصيا.
خامسا: نحو هوية قضائية رقمية للشخص الاعتباري
ويبرز هنا قصور آخر ربما يكون أهم من مسألة العنوان نفسها. فالمادة 77، وهي تحدد البيانات المتعلقة بالشخص الاعتباري، تشير إلى اسمه وممثله القانوني ونوعه ومقره الاجتماعي أو مقر فرعه والعنوان المضمن في السجل التجاري والبريد الإلكتروني. لكنها لا تجعل رقم السجل التجاري نفسه من البيانات الإلزامية التي تعرف بها الشركة في الدعوى، كما أنها لا تعتمد صراحة المعرف الموحد للمقاولة أو معرفا رقميا فريدا للشخص الاعتباري.
وهذا أمر يستحق التوقف؛ ففي منظومة تتجه نحو الرقمنة، لا يكفي أن نعرف اسم الشركة وعنوانها. الأسماء التجارية قد تتشابه. والعناوين تتغير. والمسيرون يتغيرون. لكن الرقم الفريد هو الذي يسمح بتحديد الشخص الاعتباري بدقة والوصول إلى بياناته القانونية المحينة وربط مختلف الإجراءات القضائية بالشركة نفسها دون احتمال الالتباس.
وهنا كان يمكن للقانون الجديد أن يؤسس لمفهوم أوسع هو «الهوية القضائية الرقمية للشخص الاعتباري»، بمعنى أن يكون لكل شركة معرف وحيد يستعمل منذ رفع الدعوى إلى آخر مرحلة فيها، ويرتبط آليا بالسجل التجاري وبعنوان الشركة وممثلها القانوني وباقي البيانات الأساسية.
هذا هو المنطق الطبيعي لمساطر رقمية حقيقية. أما أن نرقمن المقالات والوثائق مع الاستمرار في البحث اليدوي عن شركة باسمها وعنوانها، فإننا نكون قد رقمننا الشكل أكثر مما رقمننا المنظومة.
سادسا: التبليغ الإلكتروني والصياغة الاختيارية
القانون فتح بابا آخر من خلال التبليغ الإلكتروني. فالمادة 627 تسمح للشخص الذاتي أو الاعتباري من أشخاص القانون الخاص بأن يدلي عبر المنصة الإلكترونية ببريده الإلكتروني ورقم هاتفه، مع تصريح بقبول التبليغ بهذه الطريقة.
لكن الصياغة اختيارية؛ فالمشرع استعمل عبارة «يمكن»، ولم يجعل امتلاك عنوان إلكتروني قضائي إلزاميا بالنسبة إلى الشركات. وبالتالي لا يمكن اعتبار هذه الوسيلة اليوم حلا شاملا لمشكلة التبليغ بالنسبة للأشخاص الاعتباريين. وكان يمكن التفكير في إلزام الشركات المقيدة بالسجل التجاري بعنوان إلكتروني قضائي رسمي، يكون جزءا من بياناتها القانونية، بحيث تتمكن المحاكم من استعماله إلى جانب المقر المادي.
خاتمة: استكمال المنطق الذي بدأه القانون
إلغاء مسطرة القيم في ذاته ليس المشكلة. ولا يبدو أن الحل يكمن في الحنين إلى نظام قديم أثبت بدوره محدوديته. المطلوب هو استكمال المنطق الذي بدأه القانون الجديد. فإذا كان الشخص الطبيعي يتحمل نتائج عدم تحيين عنوان بطاقته الوطنية، فمن الطبيعي التفكير في قاعدة مماثلة بالنسبة إلى الشخص الاعتباري الذي لا يحين مقر شركته في السجل التجاري.
وكان يمكن أن ينص القانون صراحة على أن التبليغ الموجه إلى آخر مقر اجتماعي مقيد في السجل التجاري، بعد التحقق منه واستيفاء ضمانات معينة، يعتبر منتجا لآثاره، متى ثبت أن الشركة لم تقم بتحيين بياناتها رغم تغيير مقرها، مع مراعاة الحالات الخاصة كتغيير المقر المسجل فعليا، والتصفية، والتشطيب، والاندماج وغيرها.
والأهم أن يتم الربط المباشر بين المحاكم وقواعد بيانات السجل التجاري. فلا يبدو منسجما مع فلسفة الرقمنة أن يطلب من المتقاضي استخراج شهادة من مرفق عمومي ليقدمها إلى مرفق عمومي آخر، مع أن المعلومة نفسها يمكن أن تتبادل إلكترونيا بين المؤسستين. الرقمنة الحقيقية لا تعني أن نحول الورقة إلى ملف إلكتروني فقط، وإنما أن تتخاطب قواعد البيانات العمومية فيما بينها بصورة قانونية وآمنة.
القانون الجديد تقدم خطوة مهمة في معالجة معضلة التبليغ. وبالنسبة إلى الأشخاص الذاتيين، قد يؤدي الاعتماد على عنوان البطاقة الوطنية إلى اختصار آجال طويلة وإغلاق باب من أبواب المماطلة. لكن نجاح هذا النظام يظل مرتبطا بتحيين البيانات، وبالتعريف اليقيني بالشخص، وبالموازنة بين نجاعة القضاء وحقوق الدفاع.
أما بالنسبة إلى الأشخاص الاعتباريين، فالإصلاح يبدو أقل اكتمالا. فالمشرع حدد موطن الشركة، ونظم الجهة التي تتسلم التبليغ، وأدخل العنوان المقيد في السجل التجاري ضمن البيانات المطلوبة، لكنه لم يرتب بالوضوح نفسه الذي اعتمده مع الشخص الطبيعي أثر عدم تحيين الشركة لمقرها، كما لم يجعل رقم السجل التجاري أو معرفا موحدا للشركة أساسا لهويتها القضائية الرقمية.
وبالتالي يمكن تلخيص الفارق في صورة بسيطة: بالنسبة إلى الشخص الطبيعي، وضع المشرع قاعدة بيانات رسمية، وعنوانا رسميا، وقرينة صريحة بالتوصل. أما بالنسبة إلى الشركة، فقد حدد عنوانا رسميا في السجل التجاري، لكنه لم يرتب بالوضوح نفسه أثر التوصل عند ثبوت مغادرتها لذلك العنوان دون تحيينه. وهنا تحديدا توجد المساحة التي قد تضطر المحاكم إلى ملئها بالاجتهاد إلى أن تتوحد الممارسة القضائية أو يتدخل المشرع بالتوضيح.
فمعضلة التبليغ لن تحل فقط بإلغاء مسطرة القيم، بل تحتاج إلى هوية قضائية دقيقة لكل طرف، ذاتيا كان أو اعتباريا، وقواعد بيانات محينة ومترابطة، ومعرفات رقمية فريدة، ونصوص واضحة تحدد متى يتحقق التوصل فعلا، ومتى يجوز للقانون أن يعتبره متحققا. عندها فقط يمكن القول إننا انتقلنا فعلا من مسطرة تبليغ قديمة إلى منظومة تبليغ رقمية متكاملة.

